وهبة الزحيلي
160
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
يشتد حتى دخل في الغنم ، وأنزل اللّه على رسوله بمكة : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ الآية . وأخرج ابن سعد عن أبي رجاء العطاردي من بني تميم قال : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد رعيت على أهلي ، وكفيت مهنتهم ، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خرجنا هرابا ، فأتينا على فلاة من الأرض ، وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا : إنا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة ، فقلنا ذاك ، فقيل لنا : إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، من أقرّ بها ، أمن على دمه وماله ، فرجعنا فدخلنا في الإسلام ، قال أبو رجاء : إني لأرى هذه الآية نزلت فيّ وفي أصحابي : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ ، فَزادُوهُمْ رَهَقاً . التفسير والبيان : حكى اللّه عن الجن ستة أشياء وهي : 1 - قُلْ : أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ، فَقالُوا : إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً أي قل يا محمد مخبرا أمتك وقومك بأن الجن استمعوا القرآن ، فآمنوا به وصدّقوه وانقادوا له ، فقد أوحى اللّه إلي على لسان جبريل عليه السلام أنه استمع عدد من الجن إلى قراءتي للقرآن ، وهي سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فقالوا لقومهم لما رجعوا إليهم : سمعنا كلاما مقروءا مثيرا للعجب في فصاحته وبلاغته ، ومواعظه وبركاته . والإيحاء : إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء ، كالإلهام وإنزال الملك ، ويكون ذلك في سرعة . والجنّ عالم مستتر عنا ، لا نعرف عنه إلا ما أخبر به الوحي ، فهم مخلوقون من النار : وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ [ الحجر 15 / 27 ] ، ولم